الدبلوماسية الدينية تنبثق من مبدأ جوهري خُلاصته أن القادة الدينيين يحوزون سلطة أخلاقية وشرعية مجتمعية راسخة داخل بيئاتهم الاجتماعية والثقافية.

وحين ينخرط هؤلاء القادة في حوارات عابرة للطوائف أو يبادرون إلى بناء تحالفات بين الأديان، فإنهم لا يكتفون بإنتاج خطابات تصالحية مجردة، بل يشقون مسارات واقعية نحو التعايش والاحترام المتبادل بين المكونات المختلفة. وتكتسب هذه الجهود قيمتها من كونها متجذرة في النسيج الاجتماعي، وملتحمة بالحياة اليومية للناس الذين يجدون في الدين مرجعية هادية وملاذاً للطمأنينة والسكينة في وجه تحولات العالم المعاصر. في جميع أنحاء الشرق الأوسط، كانت عواقب التفتت الديني شديدة الوطأة، حيث تم التلاعب بالنصوص الدينية وتسخيرها لمصالح إيديولوجية لتمرير لغة العنف والتهجير والطائفية وتآكل الهوية الوطنية على حساب ذلك. وفي مثل هذه السياقات، تؤدي الدبلوماسية الدينية دوراً مزدوجاً، فهي أداة تصحيحية وقوة لتوحيد الصفوف في آنٍ واحد.

ومن خلال الترويج لتفسيرات منطقية عقلانية للإسلام وتشجيع التعاون بين جميع الناس، يستطيع القادة الدينيون مواجهة السرديات المتطرفة التي مزقت المجتمعات. يضطلع العلماء المنخرطون في الدبلوماسية الدينية بدور محوري في إعادة ترميم نسيج الثقة داخل المجتمعات التي أنهكتها النزاعات وفقدت فيها الثقة بين مكوناتها.

فغالباً ما تُخفق الاتفاقيات السياسية، رغم أهميتها، في مداواة الجراح النفسية والروحية العميقة التي تخلفها الحروب، حيث تبقى الندوب قائمة في الذاكرة الجمعية. وهنا تبرز الشخصيات الدينية كحُماة للذاكرة وأمناء على مسار المصالحة الحقيقية. فمن خلال الخُطب الوعظية والمبادرات المشتركة بين الأديان، يستطيع هؤلاء القادة توجيه الخطاب الديني والاجتماعي نحو قيم التسامح، وإعادة إدماج الشرائح المتصدعة في المجتمع. وتحمل رسائلهم قوة تأثير تتجاوز فضاءات المساجد والكنائس والمعابد، لتصل إلى عمق الحياة اليومية، فتُسمع في المنازل وتُناقش في المدارس وتُبث عبر وسائل الإعلام، فتسهم بذلك في إعادة تشكيل المواقف الفردية وتعديل السلوك الجماعي، تمهيداً لبناء سلام مستدام متجذر في الضمير الجمعي.

من المسؤوليات الأساسية للدبلوماسية الدينية أن تضع يدها على المخاطر في تشخيصها واتخاذ الموقف اللازم منها، ففي الشرق الأوسط المعاصر نواجه الأيديولوجيات المتطرفة التي تتنكر في صورة حركات دينية ذات أبعاد أخلاقية، لكن واقعها متباين مع شعاراتها. وتأتي في طليعة هذه التهديدات جماعة «الإخوان»، وهي منظمة عابرة للحدود تشكل تهديداً دائماً لاستقرار المنطقة.

وهذه الجماعة تختلف عن غيرها من الكيانات المتطرفة في قدرتها على الجمع بين الخطاب الديني المتشدد والطموحات الثورية التي تلبي طموح الطليعة المتوقدة. فبدلاً من الدعوة إلى السلام، تسعى إلى زعزعة مؤسسات الدولة، وتقويض الهويات الوطنية، واستبدال الحكومات القائمة بنموذج أيديولوجي خاص بها. ومن خلال شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية، والجمعيات الخيرية، ووسائل الإعلام الرقمية، تستهدف «الجماعة» المسلمين المستضعفين، خصوصاً الشباب، من خلال تقديم نفسها كبديل لحالة الظلم والتهميش. وبهذا، تستغل مشاعر الإحباط والضيق الاقتصادي لتجنيد الأتباع وكسب التعاطف. غير أن الهدف النهائي ليس النهوض بالمجتمع، بل فرض رؤية أحادية لا تقبل الاختلاف وتقوض التعددية.

في هذا السياق، تتجلى أهمية الدبلوماسية الدينية كآلية فاعلة في التصدي للتهديدات الفكرية التي تطرحها الجماعات المتطرفة، ليس عبر الإدانة الخطابية فحسب، بل من خلال صياغة إطار أخلاقي وفقهي أكثر سمواً ووضوحاً. ويتمثل ذلك في كشف التناقضات الجوهرية الكامنة في تأويلاتهم المغلوطة للنصوص الدينية، مع إبراز المقاصد العليا للإسلام القائمة على قيم السلام، والعدل، والرحمة. كما يتعين على القادة الدينيين، في إطار شراكة بنّاءة مع الحكومات، أن يعملوا على تجريد هذه الجماعات من شرعيتها الدينية المزعومة، وإجهاض استراتيجياتها الممنهجة في التجنيد والتغرير بالشباب. ويزداد أثر الدبلوماسية الدينية عمقاً حين يقدم العلماء تفنيدات علمية وعقلانية للفكر المتطرف، مرتكزة إلى تراث فقهي متين وأصول معرفية رصينة، تمنح الأفراد أدوات فكرية ومناعية تُمكّنهم من مقاومة التضليل والانخداع بالشعارات المتطرفة.

علاوة على ذلك، لا بد للدبلوماسية الدينية من أن تضطلع بمهمة دعم وتقوية المؤسسات الدينية الرسمية المدعومة من الدولة، والتي غالباً ما تطمسها ضوضاء الخطاب المتشدد. فيجب إعادة تأهيل هذه الهيئات، وتمكينها من استعادة مكانتها عبر توفير منصات إعلامية وتربوية تصل إلى جمهور عريض. ومن خلال تعزيز برامج التعليم الديني، وتأهيل العلماء عبر التدريب المتخصص، وتوسيع التعاون الدولي بين المؤسسات الدينية المعتدلة، يمكن استرداد المجال الديني من براثن الفوضى الفكرية، وإعادة بنائه على أسس منهجية تضمن الاستقرار الفكري والاجتماعي معاً.

الإمارات نموذجٌ إقليمي في التسامح والتعايش الديني

برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كمثال مُلهم على كيفية الشراكة بين الدولة والمؤسسات الدينية لبناء مجتمع متماسك قائم على السلام. إن نهج الإمارات لا يقتصر على رد الفعل، بل هو استراتيجي ورؤيوي. فهي تدرك الدور المركزي للهوية الدينية في المنطقة، وقد استثمرت عن عمد في خلق مناخ تتعايش فيه الديانات والطوائف المختلفة دون احتكاك. يرتكز النموذج الإماراتي على قناعة بأن التنوع الديني ليس تهديداً، بل مصدر قوة. وقد تبنت قيادتها الرشيدة مبادرات جمعت بين علماء المسلمين ورجال الدين المسيحيين والحاخامات اليهود في حوارات هادفة.

ومن خلال إرساء ثقافة التسامح عبر مؤسسات مثل وزارة التسامح، وتنظيم قمم حوارية رفيعة المستوى، أرست الدولة معايير للخطاب ترتكز على الاحترام المتبادل بدلاً من التنافس العقدي. كما اتخذت الإمارات خطوات جريئة لمواجهة التطرف الديني، من خلال تنظيم الخطب الدينية، ووضع رقابة على المراكز الممولة من الخارج، ورفع أصوات تدعو إلى الإسلام المعتدل. وتتكامل هذه السياسات مع التزامها بالمشاركة المدنية، وإصلاح التعليم وتمكين المرأة في إشارة واضحة إلى أن الانسجام الديني لا بد أن يستند إلى عدالة اجتماعية شاملة.

ومن خلال علاقاتها الدبلوماسية، تنقل الإمارات هذا النموذج إلى دول أخرى، مُساهِمة في تقديم رؤية بنّاءة للتعايش الديني والتنمية المجتمعية. ويعكس دعمها لـ «بيت العائلة الإبراهيمية» و«وثيقة الأخوة الإنسانية» رغبة صادقة في تصدير السلام، ليس عبر الهيمنة، بل من خلال القيم الإنسانية المشتركة. وتفهم الإمارات أن السلام لا يمكن أن يُستدام إلا إذا تم تبنيه على مستوى القلب، والأسرة، والمنبر.

وتقف دولة الإمارات اليوم كنموذج لما يمكن تحقيقه عندما يتناغم الخطاب الديني مع القيم الوطنية والتعاون الدولي. ويُظهر مثالها أن السلام ليس حلماً مثالياً فقط، بل هدف قابل للتحقيق إذا قادته الحكمة والشجاعة والالتزام الصادق بالتعايش. ومن خلال رعاية الدبلوماسية الدينية بعناية، يمكن للشرق الأوسط أن يرسم مستقبله بما يكرّم تاريخه، ويبني غداً مستقراً وشاملاً.

* مستشار برلماني